زكريا القزويني
90
آثار البلاد واخبار العباد
أقبلوا إلى النبي ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، فضلّوا الطريق ومكثوا ثلاثا لم يجدوا ماء وأيسوا من الحياة ، إذ أقبل راكب على بعير له ، وكان بعضهم ينشد : ولمّا رأت أنّ الشّريعة همّها * وأنّ البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج * يفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي فقال الراكب : من قائل هذا الشعر ؟ قالوا : امرؤ القيس . قال : واللّه ما كذب ! هذا ضارج ، وأشار إليه فحثّوا على ركبهم فإذا ماء عذب وعليه العرمض والظلّ يفيء عليه ، فشربوا ريّهم وحملوا ما اكتفوا ، فلمّا أتوا رسول اللّه قالوا : يا رسول اللّه أحيانا اللّه ببيتين من شعر امرئ القيس ، وأنشدوا فقال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم : ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها ، منسيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة ومعه لواء الشعراء إلى النار . وبها عين المشقّق . المشقّق : اسم واد بالحجاز ، وكان به وشل يخرج منه ماء يروي الراكبين أو الثلاثة ، فقال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، في غزوة تبوك : من سبقنا الليلة إليه فلا يستقينّ منه شيئا حتى نأتيه . فسبقه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه ، فلمّا أتاه النبيّ ، عليه السلام ، لم ير فيه شيئا ، فقال : أولم أنهكم أن تستقوا منه شيئا ؟ ثمّ نزل فوضع يده تحت الوشل ، فجعل يصب في يده من الماء فنضحه به ومسحه بيده المباركة ، ودعا بما شاء أن يدعو ربّه فانخرق من الماء ما سمع له حسّ كحسّ الصواعق ، فشرب الناس واستقوا حاجتهم ، فقال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : لئن بقيتم أو بقي أحد منكم ليسمعنّ بهذا الوادي ، وهو أخضر ، ما بين يديه وما خلفه . وكان كما قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم . الحجر ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام . قال الإصطخري : هي قرية من وادي القرى على يوم بين جبال ، بها كانت منازل ثمود الذين قال اللّه تعالى